قراءة في كتابي خوارق اللاشعور ووعاظ السلاطين
عبد الوهاب الحمادي
عن جريدة المدى
( خوارق اللاشعور أو أسرار الشخصية الناجحة )، كتاب ظلمه عنوانه كثيراً، والعيب ليس في العنوان بحد ذاته، ولكن في بعض الكتب الأخرى التي تحمل عناوين قريبة من هذا العنوان، ولا تتجاوز الهرطقة بخصوص اللاشعور، أو العرض السطحي المكرر بخصوص وصايا النجاح، بعكس هذا الكتاب الذي يبحث، في موضوعه، على مستوى عميق جداً في نفس الإنسان، ونطاق واسع جداً على صعيد المجتمع. يصف الوردي كتاب (خوارق اللاشعور أو أسرار الشخصية الناجحة) بأنه بحث في غوامض العبقرية، والتفوق، والنجاح، وما يسمى عند العامة
بـ (الحظ)، وأثر الحوافز اللاشعورية فيها في ضوء النظريات العلمية. الكتاب عبارة عن خمسة فصول، وسوف أستعرض بسرعة أفكار كل فصل منها:
في الفصل الأول ( الإطار الفكري)، يوضح الوردي طبيعة العقل وطبيعة الحقيقة، فيخلص إلى أن عقل الإنسان ليس حراً تماماً، فهو محصور بإطار فكري متغلغل في أعماق عقله الباطن، هذا الإطار مكوّن من قيود نفسية، واجتماعية، وحضارية، وهو موجود عند كل البشر ولكن بنسب متفاوتة، ثم يقدم الوردي وجهة نظره في ما يسمى بـ(الحقيقة)، ومفادها أن الحقيقة فيها جانب مطلق (موضوعي) وجانب نسبي (ذاتي)، وسبب وجود هذا الجانب النسبي في الحقيقة هو وجود الإطار الفكري على عقول البشر، فبسبب وجوده يرى الناس نواحي مختلفة في الحقيقة الواحدة، فلو حدثت "مظاهرة" فسوف يرى بعض الشباب، في هذه المظاهرة، جمال الفتيات المشاركات، والأدباء سوف يرون فيها الأخطاء النحوية في الشعارات، والنساء سوف يرين ملابس الأخريات، والصحافيون سوف يرون عدد القتلى والجرحى .. وهكذا.
في الفصل الثاني ( المنطق الأرسطوطاليسي)، ينتقل الوردي لنقد طريقة التفكير القديمة، والمتمثلة بمنطق أرسطو، فطريقة التفكير القديمة لا تواكب الحقيقة؛ لأنها لا تعترف بالجزء النسبي فيها، ويؤكد الوردي أن هذه الطريقة القديمة هي سبب ازدواجية وفشل المتبع لها؛ فهو يفكر بطريقة مجردة بعيدة عن الواقع، بينما كان من المفروض أن يعمل بطريقة نسبية تتكيّف مع الحياة، هذا بالاضافة الى أن طريقة التفكير القديمة لا تسمح لومضات العقل الباطن بالانبثاق.
في الفصل الثالث ( الإرادة والنجاح) ، يقدم الوردي قانون "الجهد المعكوس"، مفاد هذا القانون أنه إذا تغلغلت فكرة في أغوار عقل الإنسان الباطن فإن كل الجهود الواعية التي يبذلها الإنسان في مخالفة تلك الفكرة تؤدي إلى عكس النتيجة المبتغاة؛ فلو كان أحدهم يسير على حافة جدار مرتفع، وكان يخاف السقوط بشدة، لدرجة أن خوفه رسّب فكرة السقوط في عقله الباطن، فأن كل الجهود التي يبذلها كي لا يسقط سوف تؤدي لسقوطه، هذه الحالة تسمى (بتنازع الإرادة والمخيلة) أو تنازع ( الشعور واللاشعور)؛ معنى هذا الكلام أنه ليس ( كل من سار على الدرب وصل) بل معناه أن كل من سار على الدرب قد يصل للجهة المعاكسة.
في الفصل الرابع (خوارق اللاشعور)، وبعد استعراض قوة اللاشعور في الفصل السابق، ينطلق الوردي لاستعراض بعض خوارق اللاشعور، في البدء كان هناك منهجان علميان لبحث هذا الموضوع، المنهج الأول هو منهج جمعية المباحث النفسية البريطانية والذي ينص على بحث كل حادثة يحدث فيها عمل خارق، والمنهج الثاني هو منهج العالم الأمريكي "جوزيف راين" J. B. Rhin) ) وهو ينص على فحص عينات كبيرة من الناس بحثاً عن قدرات خارقة عند العامة، تصل نتائج المنهجين لنتيجة واحدة مفادها أن لكل إنسان قدرة على الإحساس الخارق، بدرجات تتفاوت من شخص لأخر، وفي بعض الحالات قد يخترق هذا الإحساس حجاب الزمان والمكان، بعد ذلك يخصص الوردي جزءاً كبيرا من هذا الفصل في التفسير العلمي لهذه النتيجة الغريبة.
في الفصل الخامس ( النفس والمادة)، يتطرق الوردي لمعضلة ( الفكر والبدن )، فالأفكار، وبالرغم من أنها من ماهية أخرى، إلا أنها تؤثر على المادة، فعندما يخجل الإنسان تحمّر وجنتاه، والمادة أيضاً تؤثر على الفكر، وهذا جلي في تأثير المشروبات الكحولية على أفكار الإنسان، من هذا المنطلق يوضح الوردي في هذا الفصل كيفية تأثير أفكار الإنسان على بدنه، بل وعلى المادة الخارجية أيضاً، موضحاً أفكاره ببعض الطوائف الدينية التي يأتي أفرادها بالخوارق، ثم يشدد بعد هذا التوضيح أن إتيان هذه الطوائف بهذه الخوارق ليس ناجماً عن صحة اعتقاداتهم بل هي نتيجة لقوة اعتقاداتهم؛ فقوة الاعتقاد – بغض النظر عن صحته – سبب قوي لإجتراح بعض الخوارق، وتصبح النتيجة هنا أن الفاصل بين الوهم والحقيقة قد تلاشى .. ولو جزئياً.
إن الأفكار التي تم استعراضها حول الفصول الخمسة في هذا الكتاب لا تتجاوز كونها العمود الفقري للفصول، فكل فصل منها مشحون بأفكار وآراء وحقائق كثيرة أخرى، وما ميّز كتاب الوردي هو انه شدّد في مقدمته على أنه سوف يتخذ المنهج العلمي وسيلة له في التحري والبحث، وأنه سوف يتجاوز أي أمور غيبية أو روحية، وأيضاَ شدّد الوردي في مقدمته على أنه سوف ينهج أيضاً المنهج العملي التطبيقي، فكل هذه الأفكار المذكورة، وغيرها، لا يتركها الوردي إلا بمحاولة استشفاف فائدة عملية، وتطبيقية، منها.
إن ما يجعل كتاب "خوارق اللاشعور" فريداً جداً هو أن كاتبه هو الدكتور الوردي عالم الاجتماع، فهو إذا بحث نفسي يكتبه عالم اجتماع، عالم اجتماع مطلع إطلاعاً رائعاً على حقل الفيزياء؛ فنحن إذا بصدد بحث نفسي، ينتهج المنهج العلمي، ويقدم نفسية الفرد في ضوء سلوكيات الجماعة.
كتاب (خوارق اللاشعور) صدر عام 1952، وهو ثاني كتاب للدكتور الوردي، بعد كتاب (شخصية الفرد العراقي) سنة 1951، وقد بدأ الدكتور الوردي البحث في موضوع هذا الكتاب، ولمدة عامين، بعد قراءته كتاب ( The Personality of man ) للبريطاني ((G.N.M. Tyrrel؛ وهو الكتاب الذي حفزه للبحث في هذا الموضوع.
علي الوردي من مواليد 1913، وتوفي سنة 1994، وهو أستاذ ومؤرخ وعالم اجتماع عراقي، حصل على الماجستير 1946، والدكتوراه 1950 من جامعة تكساس الأمريكية، وعمل أستاذاً في كلية الآداب في جامعة بغداد.
أسلوب الوردي في الكتابة سلس ومتين، تشعر أثناء القراءة له أنه يتحدث إليك أكثر من كونه يكتب لك، ففي كتابته حرارة وصدق، وهو لا يبالغ في اهتمامه بالجانب التنظيري والأكاديمي، بل يطرح أفكاره بأكبر قدر ممكن من العفوية والبساطة، وفي نفس الوقت بأكبر قدر ممكن من العمق والتأثير، ما يلاحظ على الوردي هو: التكرار، فتجده يكرر الفكرة الواحدة في مواضع كثيرة من الكتاب، ورغم ذلك، فأنه بدا لي أنه في كل مره يكرر الفكرة فهو يرسخها من جهة، ويوضحها أكثر من جهة أخرى، لأنه وإن كان يكررها، فهو يأتيها من عدة مواضع؛ ما يجعل وقعها جديداً في كل مرة على القارئ.
صدر كتاب وعاظ السلاطين في عام 1954 ابان العهد الملكي في العراق.. وقد احدث ضجة كبيرة في حينه، واخذت تلك الضجة اشكالا عديدة بالرد. فصدر مايزيد عن خمسة كتب.. وعشرات المقالات والمنشورات في الصحف والمجلات.. ولا يزال الوردي وهو في قبره مثيرا للجدل، حتى يومنا هذا..
طرح الوردي امورا مختلفة، منها ان منطق الوعاظ الافلاطوني هو منطق المترفين والظلمة. وان التاريخ لايسير على اساس التفكير المنطقي انه بالاحرى يسير على اساس ما في طبيعة الانسان من نزعات اصيلة لاتقبل التبديل، وان الاخلاق ماهي الا نتيجة من نتائج الظروف الاجتماعية..
يقول الوردي: ان الديمقراطية لم تنشأ في الامم الحديثة من جراء افكار صبيانية تحذلق بها الواعظون، انما هي في الواقع نتيجة معارك طاحنة قامت بها الشعوب في وجوه حكامهم المستبدين والديمقراطية لم تفتر عن الثورة حتى اليوم. فتاريخها عبارة عن سلسلة متلاحقة من الثورات لانهاية لها. ان نظام التصويت الذي تقوم عليه الديمقراطية الحديثة، ليس هو في معناه الاجتماعي الا ثورة مقنعة والانتخاب هو في الواقع ثورة هادئة. حيث يذهب الناس الى صناديق الانتخاب، كما كان اسلافهم يذهبون الى ساحات الثورة. فيخلعون حكامهم او يستبدلون بهم حكاما اخرين. ويقول المسترليمان الكاتب الاميركي المعروف”ان ثوار الامم الديمقراطية يستخدمون اوراق التصويت بدلا من رصاص البنادق“ Baffots insteadof buffets ".
ا
ن من النادر ان تسمع بحدوث ثورة مسلحة في البلاد الديمقراطية الحقة انهم لايثورون لان في ميسورهم، ان يجدوا للثورة طريقا اخر، هو طريق التصويت الهادئ، الذي لايتلاعب به الحكام الادنياء. فهم يبدلون حكامهم حينا بعد اخر، فلا تحدث فتنة ولا تسيل دماء. والحكومة التي لاتدرب رعاياها على اتباع طريق الثورة السلمية الهادئة، سوف تجابه من غير شك ثورة دموية عنيفة في يوم من الايام.ان السلاطين في عهودهم الغابرة، يستخدمون نوعين من الجلاوزة ”جلاوزة السيف“ و”جلاوزة القلم “. وكانوا يبذلون من الاموال في رعاية جلاوزة القلم مثلما يبذلون في رعاية ”جلاوزة السيف“. فهم يبنون الثكنات والقلاع ومرابط الخيل في نفس الوقت الذي يبنون فيه المساجد والمدارس ورباطات الدراويش...
ان النزاع بين الشيعة والسنة، اتخذ شكل التعصب لآل النبي من جهة،.. ولاصحاب النبي من الجهة الاخرى.. فاهل السنة تعصبوا للاصحاب، بينما تعصب الشيعة للآل. واخذ كل فريق يغالي في تمجيد من تعصب لهم. التزم اهل السنة بالحديث النبوي القائل ”ان اصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فايهما اخذتم به اهتديتم، واختلاف اصحابي رحمة“ والتزم الشيعة من الجانب الاخر بالحديث القائل ”انما مثل اهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق“.
اولئك جعلوا مقياس الفضيلة في الصحبة النبوية، وهؤلاء جعلوه في البيت العلوي.. اخذ اهل السنة يطلقون على الشيعة لقب ”الروافض“ باعتبار انهم رفضوا الصحابة، بينما اطلق الشيعة، على اهل السنة”النواصب“ باعتبار انهم نصبوا العداء لاهل البيت وحالفوا اعداءهم الامويين.. وبهذا تمادى الغلو من كلا الجانبين واصبح داء اجتماعيا وبيلا..
لم يكن الشيعة ”روافض“ في اول امرهم.. وكذلك لم يكن اهل السنة ”نواصب“ وانما هو التطرف والتعصب.. وسمما بالتراكم الفكري الذي ادى بهما الى هذه النتيجة المحزنة.. واذا اراد الشيعة واهل السنة في هذا العصر ان يتحدوا، فليرجعوا الى شعارهم القديم، الذي اتخذه زيد بن علي وابو حنيفة. اي شعار”الثورة على الظلم في شتى صوره “ لافرق في ذلك بين الظالم الشيعي او الظالم السني. ان هدف الدين هو العدل الاجتماعي، وما الرجال فيه الا وسائل لذلك الهدف العظيم جاء البويهيون الى بغداد في القرن الرابع، فاضافوا بمجيئهم الى الطنبور نغمة جديدة كان البويهيون من الشيعة، اما خلفاء بني العباس فكانوا من اهل السنة وبهذا اجتمعت في بغداد طائفتان من السلاطين. خلفاء سنيون وامراء شيعة، فاصبح البلاء بهذا الحكم المزدوج عظيما كان سلاطين الصوفيين لا يختلفون اختلافا اساسيا عن سلاطين العثمانيين. كلهم يعبدون الله وينهبون عباد الله.. حدثت المفارقة الكبرى على ضفتي دجلة، فالامام الاعظم مدفون على الضفة اليسرى. والامام الكاظم مدفون على الضفة اليمنى، ونسيَ الناس ان اماميهما كانا من حزب واحد اذ كانا من اعداء السلاطين... عارض ابو حنيفة المنصور بنفس الشدة التي عارض بها موسى الكاظم هارون الرشيد.. وقد مات كلاهما في سجن هذين السلطانين الظالمين..فرق السلاطين بينهما بعد الموت. اذ لم يستطيعوا ان يفرقوا بينهما في الحياة.. ولله في خلقه شؤون..
قالوا ”ان السياسة مادخلت في شيء الا افسدته فدخلت وافسدت مختلف المذاهب والاديان.
لقد آن لابناء الجيل الجديد. ان يتعظوا بعبر الماضي، وان يسلكوا من جديد مسلك قادتهم الاولين في ثورتهم على الظلم بشتى صوره. ان الاخلاق ماهي الا نتيجة من نتائج الظروف الاجتماعية، فالغربيون لم تتحسن اخلاقهم، الا بعد ان تحسنت ظروفهم الحضارية والاقتصادية. من الظلم ان نطلب من الكادح الذي يعيش في حالة عوز وفقر وكوخ حقير، ان يكون مهذبا او نظيفا او حاذقا. انه مضطر الى ان يكذب وان يداجي وان يسرق لكي يداري معاشه العسير.. يريد الوعاظ من الفقراء ان يكونوا أولي اخلاق فاضلة، ولعلهم يقصدون بذلك تغطية ما يقوم به سادتهم من ظلم، فهم يضعون امام الناس هدفا مستحيلا لكي يلقوا عليهم الحجة فيما يعانون من ظلم وبؤس، ثم يقولون لهم”لقد جرت اخلاقكم عليكم البلاء“.
بعد وقت قليل من صدور ”وعاظ السلاطين“ احدث ضجة كبيرة في الاوساط الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية.. فبدأت المؤلفات تصدر بانتقاد الوردي وتحريم قراءة مؤلفاته.. وكان من اشد المعارضين للوردي في الكاظمية”جماعة الخالصي “ حيث اهدر دم الوردي”ويقول الوردي تعرضت للاغتيال والقتل مرتين والله انجاني منهما “.. اصدر نوري السعيد امرا بمصادرة كتاب الوردي وتم سحبه من جميع مكتبات بغداد ومنع من التداول في الاسواق.. بعد ذلك اعتقل الوردي وحبس لمدة ثلاثة ايام في مركز شرطة الاعظمية.. بعد ذلك اتصل وزير العمل والشؤون الاجتماعية بعائلة الوردي واخبرهم بان اعتقاله هو حفظ على حياته وكان عبدالرسول الخالصي الوزير الذي الغي البغاء العلني في العراق في عهده.. بعد ذلك اتفق ان يقوم الوردي بالحضور في مدرسة الخالصي في الكاظمية واجراء مناظرة معه لشرح آرائه وما جاء في كتابه من نقد ديني واجتماعي.. استمر النقاش والجدال الى ساعات متأخرة ليلا.. استطاع الوردي ان يقنع معارضيه بانه كتب ما حدث في تاريخ المجتمع العربي والاسلامي كباحث اجتماعي وكان محايدا.. وخرج الوردي من تلك المناظرة فائزا واوصلوه الى داره مكرما معززا ومن جهة اخرى قام الشيخ جلال الحنفي بهجوم عنيف على الوردي بمقالات عديدة. والف كتابا خاصا في نقد الوردي لآرائه الجريئة.