قناديل النور

كل ما ليس له قسم خاص

المشرف: المشرفون

أضف رد جديد
صورة العضو الرمزية
Zenobia
عضو متميز فعال
عضو متميز فعال
مشاركات: 3126
اشترك في: الأحد 16-7-2006 8:05 pm
الجنس: انثى
اتصال:

قناديل النور

مشاركة بواسطة Zenobia »

تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها

خرج رجلٌ مَحنيّ الظَهر من منزله في أحد الأيام، ووقف على عتَبَة بابِه فقد لمح نوراً غريباً يتسرّب من نافذة بيته…
كان النور على ذلك الرجل غريباً فقد اعتاد الظُّلام ستاراً يعانق نوافذ وأبواب منزله، فيخفي ما بداخلِه، يخفي حركاته، تصرفاته، نوْمِه واسترخائه، سَكْناته وزلّاتِه… اعتاد الظُّلمة ستاراً أسدلُه بإرادته فوق حسراته وأسلوب حياته
حتى منزله ..داخل منزله ..سجائرٌ مَطفيّة … أكوام ثياب مُبَعثرة هنا وهناك غير مطوِيّة … صفحات ممزقة من كتب قديمة مَرمِية … ألبومات صور قديمة على طاولة يملؤها الغبار مَنسِيّة … شمعة نورها خافِت يُعلن احتضارها إذ يتعالى دخانها وتتلاشى معه شعلتها الذهبية منزله باحة مُزدحِمة غير عادية


لكن أشعة النور تسرّبَت في ذلك اليوم فتسَلَّلَت من بين الستائر، من بين النوافذ… بعثَت نوراً ودِفئاً في باحة منزل بارِدة أجوائها مسائية
فاجَئَتْهُ… شعَر بالذعر حين لامسَت أطياف النور المكان من حوله… ذعرٌ لم ينَل من كيانه حتى في أشدّ وأحْلَك ساعات ظلامه… حتى وهو بين دخانه وازدحام الصور والذكريات في وجدانه، واصطفاف أيام الماضي داخل كيانه
فاجَئَته… نَبّهَتْه… ونادَته من سباتٍ عميقٍ أزليّ قديم
لم تتسَلّل أشعة النور من بين ستائره سوى لدَعوَتِه… لأجل أن تمدّ أياديها له داعيةً إياه إلى لقاءٍ حميم
وسباتُ هذا الرجل عتيق… هو الآن في حالة ذُعر عقيم
حتى الظلام يصبح رفيقاً وصديقاً إن كان معلوماً ومعروفاً، بينما يتحوّل النور عدوّاً إن كان مُغَيَّباً لقرون من الزمان فأصبح مجهولاً
تحامَل الرجل على نفسه، أمْسَك ذعره وخرج فوقف على عتبَة منزله ناظراً إلى المكان الذي يشعّ منه النور… باحثاً عن مصدر النور
ونادراً ما ترك هذا الرجل بيته وخرج منه ليمشي أو ليسمع تغريد العصافير أو ليقابل صديق أو ليستمتع بجوٍّ هادىءٍ لطيف
خارج بيته طبيعة ساحرة خلابة
خارج بيته حقول وأشجار وأزهار وكأنكم تتنزهون في غابة

تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها
خرج ومشى وتعثَّر مئات المرات… مشى وبعد وقتٍ قصير إلى مصادر النور اهتدى
مشى واهتدى فرأى قنديلاً مُضيئاً على غصن شجرة
مشى واهتدى فرأى قنديلاً مُنيراً قرب جدول ماء
قنديلاً أمام زهرة
قنديلاً وسط الأعشاب
وهكذا…
لكانَت دهْشَته بقناديل النور التي رأى، كبيرة لولا أن فاجئَهُ مشهد طفلٍ يرقص أمام أحد القناديل … يرقص ويهيم أمام أحدهم ثم يمشي بضعة خطوات ليرقص أمام القنديل الثاني ويهيم … ثم بضعة خطوات أمام الثالث ويُنشِد شِعراً وَقْعه على النفوس دافىء وحميم … ثم للرابع ولا يكتفي بأن يرقص ويُنشد ويهيم… كان بعدها يُخرِج من جيبِه قنديلاً صغيراً فيُنيره بيديه

مشى الرجل نحو الطفل والدهشة ترسم ملامحها على وجنَتَيْه، فوجّه سؤاله إليه: “ما الذي تفعله؟”
“أُنير قنديلي بنفسي… ألَم ترَني؟”
“بلى رأيتُك و…”،
“لماذا إذاً أنت تُضيِّع وقتك ووقتي وتسألني؟”
“وَدَدْتُ سؤالك عن سرّ رقصك وهيامك وإنشادِك حول جميع القناديل الموجودة حولنا”
“أشربُ من كل نبع… أستلهِم… نور القناديل ضمان لي وأمان لقلبي حتى يثق على الدرب والطريق… نورها زاد على دربي يُعين”
“تفعل كل هذا لأجل أن تُضيء بالنور قنديلك؟”
“أنا في رحلة يا سيّدي… الطريق مظلمة وأحتاج نوراً يهديني طريقي. وكيف لك أن تفهم النور إن لم تسترشِد به فيكون مُلهِمَك، وتجعله مفتاحاً يُهديك سبيلك ويُنير لك طريقك؟”
“هذا تعب لا فائدة منه… خُذ واحداً من هذه القناديل واحمِله يُنير لك دربك وسبيلك”
“آه… تظُن أحد هذه القناديل كفيل بأن يُنير لك طريقك؟”
“نعم… فقط احمِله وامشي به”
“هذه قناديل لآخرين… أناروها برقصتهم وأنشودتهم وحكمتهم وفَهمِهِم وتجربتهم… لن تُنير دربي… نعم هي تُهديني فتكون لي مُرشِداً ومَعبراً يُعلّمني كيف أنير قنديلي بنفْسي وأمشي به دربي”
“ما هذا الكلام؟ سأحمل إحداها وأريك كيف تُنير طريقك وتتابع سفَرك وتُتِم رحلتك التي تنويها”

تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها
اقترب الرجل من أحد القناديل فحمَلَه، وتبِعه الطفل يجري خلفه… وفجأة صاح الرجل… “ما هذا؟ هذا الطريق مُقفَل لكني لا أعرف بماذا… الصورة مُشوَّشة تماماً… وكيف كنت تنوي السفر والترحال عليه وشَغَلتَ نفْسك بإنارة قنديلك على أية حال؟”
“ليس مُغلَقاً… لكنك لا ترى سوى ما يدور في خُلدك وداخلك… ها هو قنديلي ينير لآخر الطريق ويُريني أنه على مدّ النظر سالِم وآمِن وجميل… لكنك لا ترى ولن ترى بقنديل غير قنديلك… ثم أن رحلتي داخلية… من أخبرك أن رحلتي من هنا؟ أنا مسافر للداخل وليس لمكان ما في العالم… لكنك لا ترى ولن ترى بغيْر قنديلك… هل عندك قنديل؟ أين هو على أية حال؟”
“في داخل منزلي”، أجابه الرجل.
“هيا بنا نُحضِره من هناك… سيساعدك قنديلي بأشعة من النور كافية كي لا تتعثّر كثيراً ونحن إلى منزلك ذاهبين… لكنها ليست كافية لنجاتك وارتقائك لمنزلة العارفين السالكين الصامتين المُحتَفلين… تحتاج قنديلك يقودك لإنارته الحنين… نور قنديلي سيكون مرشِد ومُعين كما كانت أنوار القناديل لي، لكنه لن يكون لك الإطمئنان والعرفان واليقين”.

تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها
ذهب الطفل والرجل معاً إلى منزل الرجل مُتَجهيْن.
على طول الطريق كان الرجل يتعثّر… تعثّر عشرات المرات لا مئات المرات هذه المرة فنور قنديل الطفل كان له المعين.. إلا أن الطفل ظلّ ماشياً واثقاً يسمو في ثقته ومشْيته على البالغين.
وصلا منزل الرجل ودخَلا. صاح الطفل: “ما هذا الذي أراه؟”
“ماذا؟”
“ألا ترى الزحام والإزدحام والصراع والغبار وخيالات ماضيك تلعب على صفحات كتبك الممزقة ونوازع حاضرك وأشباح مستقبلك؟ جميعها تسكن معك. ألا ترى جروحك وحسراتك في ألبومات صورك؟ ألا تشتمّ رائحة الموت من شمعتك التي تحتضِر؟ آه… وكيف لك أن ترى؟ قنديلك داخل منزلك ولكنه مَطفي ونفْسَك سقَطَت في بئر لاوعيها وظلامها وبرود أيامها… ماضيها يُسلّيها وصور ذكرياتها تُعَزّيها وآمال مستقبلها الكاذبة تُمَنّيها… على الأقل أن تعرف جميعها فلمَ لا تركن إليها وتختلي فيها؟”

تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها
صمت الرجل لبرهة من الوقت وكأن كلام الطفل قد لامسَ شيئاً منسيّاً قديماً بداخله… شيئاً لم يرِد أن يواجهه… وكأنه قد وعَى شيئاً ما يهمس له…
هل هذا المنزل مَقبَرته؟ هل هذا المنزل صورة عن لاوعيه؟ هل هذا المنزل قبراً حفره لنفسه وسكن فيه ومات رغم أنه على قيد الحياة؟ هل مات في بئر لاوعيه؟ هل صرخ مُستنجِداً من بئر لاوعيه فلَم يسمع نفسه؟ هل اختار أن لا يسمع نفسه؟ هل كان أسهل عليه أن يتجاهل نفسه ولا يسمعها كي لا يواجهها؟ من هي نفْسه؟ ماذا فعل بنفْسه؟
أسئلة كثيرة…
أسئلة خطيرة…
أسئلة مصيريّة…
وفجأة اخترق الصمت البارد من حوله، والزحام الرهيب بداخله، صوت الطفل قائلاً: “أين قنديلك؟”…
“آه حسناً… إنه هنا… في درجٍ قديم في المطبخ”.
ذهب وأحضَرَه.
قنديله الغبار يغشاه.
“ماذا أفعل الآن؟”
“لا تسأل ماذا وكيف ولماذا… نظِّفه… إغسِله… إتبَع النور الذي تسرّب من ستائر ظُلمَتَك واذهب واجلس في دفء واحة كل قنديل… دع أنوارها تخترق قلبك… أنوارها تحمل رسالة لك… ظاهر أشكالها مختلف لكن رسالتها واحدة لا دعوة لها بشكلها ولا ببريقها… رسالتها أبعد… إصغِ لها… بعدها لن أخبرك كيف سيكون بإمكانك إنارة قنديلك بنفْسك… ستكون موهبتك وهِبَتك”.
وفعل الرجل ما أخبره الطفل إياه.

تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها
مرّت أيام وشهور وسنوات والرجل ينظف قنديله ويُصغي للقناديل حتى يفهم ويفقه ويعلَم ويتعلّم… يُصغي لأجل أن يفقه ويفهم ويعلم ويتعلّم كيف يُنير قنديله، لا لأن القناديل تريد منه شيئاً… هي تريد له أن يكون نفْسه كما هي… على حقيقتها وفطرتها وبرائتها… حتى يشعّ نورها وتستوي حكمتها، وقنديله سيُضيئ نفسه بنفسه حينها.
وجاء اليوم الموعود…
كان الرجل يقترب من عتبَة منزله سعيداً خفيفاً وكأن لا جسد لديه… يمشي وسكون وهدوء داخل كيانه صداهما نعمة وفرحة يرددها كل ركن وكل زاوية داخل كيانه… لم يتعثر… بل رأى الحقل أخضر… رأى النهر ينهر… هو لأول مرة يرى… لأول مرة يمشي دون وُجهة… دون هدف في رأسه يشغله عن رؤية ما حوله… دون مرمى
وكان الطفل في انتظاره عند عتَبَة بابه…
حضَنَه… وقال له أدخُل…
دخل الرجل ويا لدهْشَته: “من، مَن فعل هذا؟ أين السجائر؟ الغبار؟ أين الكتب وصفحاتها الممزقة؟ أين الشمعة؟ ألبومات الصور؟ أكوام الثياب؟… لماذا أتعبْتَ نفسك ونظَّفت المنزل؟ بل وفتَحْتَ النوافذ والأبواب؟ كل هذا لأجلي؟”

تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها
ضحك الطفل وقال: “لم أفعل شيئاً… أنت من نَظَّف قنديله وطهَّر أساريره… أنت من نفَض الغبار فأطلق للاوعيه سراحه فخرج منك وتحرّرْتَ منه للأبد… أنت من شعر بنعمة لحظته فتطايرت صور ألبوماته بعد أن طال الوقت عليها ولم ينظر أحد إليها فمَلَّت ويأسَت وهربَت… صفحات كتبك الممزقة لمْلَمَت نفسها وولَت راحلة فقد اختفى الصراع والتئم الجرح الذي فيك… أنت من صعد من بئره وواجه نفسه وها هو ما كنت تخافه وتخشاه، هو صديقك الحقيقي ولهذا أتاك النور من البداية فهذا كان مبتغاه… هلّا نظرْتَ إلى المرآة؟”
نظرَ الرجل…
وعندها أصيب بدهشة لا مثيل لها: “من هذا؟ أين ظهري المَحني؟ من هذا؟ من هذا الطفل؟… لستُ أنا… إنه طفل”.
“هذا أنت… هذا وجهك الحقيقي… أنت طفل أثقَلَت ظهرك حمولة معارف ومعرفة وفلسفة وأفكار السنين… أتعبَت كاهلك حمولة جروح ماضيك وصدمات علاقاتك وخيبات أملك وقهر إحساسك وشعور قلبك الدفين… جميعها وقعت عن كيانك الآن… جميعها رحلَت الآن… برحيلها عاد الطفل من جديد… جميعنا بالروح أطفال لا نكبُر ولا نشيخ… جميعنا أطفال وعيال الأبدية النورانية السرمدية البديعة… جميعنا أطفال لنحتفِل… هيا بنا نحتفل”.

تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها
هيا بنا نحتفِل….
هيا بنا نرمي معارفنا المُستعارة
هيا بنا نروي حكاية قلوبنا وأحاسيسنا بسعادة لا بمرارة
هيا بنا نستظِل بواحة حكمائنا ونتعلم كيف نُنير قنديلنا
لكلّ منا طريق لكن طريق السفر إلى الداخل لا آثار له لذا لن يلحق أحد بأحد
نعم نتعاون على الدرب
هيا نتعاون على الدرب
لكن لكل منا طريق
هيا بنا نتعرف ونعرف بأنفسنا
فلن ينقذنا من أنفسنا إلا أنفسنا…. إلا الطفل الذي بداخلنا


قصة ومعنى وحكمة من قلب بشارعبدالله
 تنبيه مهم : عليك ان تقرأ الشروط عند تقديم اي طلب جديد والا سيتم حذف موضوعك •• اقرأ الشروط ••

تبارك النور القدوس الذي انبثقت به الحياة

ام الامين
عضو متميز فعال
عضو متميز فعال
مشاركات: 306
اشترك في: الخميس 22-8-2013 1:22 pm
البرج: القوس
الجنس: انثى

قناديل النور

مشاركة بواسطة ام الامين »

تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها

تبارك النور القدوس الذي انبثقت به الحياة

صورة العضو الرمزية
Zenobia
عضو متميز فعال
عضو متميز فعال
مشاركات: 3126
اشترك في: الأحد 16-7-2006 8:05 pm
الجنس: انثى
اتصال:

قناديل النور

مشاركة بواسطة Zenobia »

شكرا تواجدك العطر اختي ام الامين

تستطيع أن ترى الصورة بحجمها الطبيعي بعد الضغط عليها

تبارك النور القدوس الذي انبثقت به الحياة

أضف رد جديد

العودة إلى ”مواضيع عامة ومتنوعة“