قلت : يبدو انّك مدير هذا المصرف .
قال : اجل ، انا السيد " كول " ، وانت صديقى الحميم . . . انا اعرفك منذ مئات السنين .
لقـد رابـنـى هـذا الرجـل ، وظـنـنـتـه اوّل وهـلة مـعـتـوهـا ، وسـاءلت نـفـسـى : كـيـف تـعـهـد الامـم المـتـّحـدة الى
رجل مجنون فى تسنّم هذا المركز الخطير ؟
وبـيـنـمـا كـنـت مـنـهـمـكـا فـى لجـّة مـن التـفـكـيـر ، وانـا اوجـس فـيـمـا رايـت مـنـه خـيـفـة
واصـل حـديـثـه قـائلا : اجـل ، نـحـن عـشـنـا مـعـا ، وكـانـت تـجـرى بـيـنـنـا احـاديـث شـتـّى ، ولطـالمـا سـهـرنـا
الليل نخوض فى حديث فاءدركنا الفجر .
ثمّ استدرك كلامه بقوله : الست شاعرا ؟
قلت : بلى .
وعقّب ثانية : الست مصريا من القاهرة ؟
قلت : بلى .
وطـفـق يـسـرد ذكـريـات عـجـيبة ، ويتحدّث عن حياتى الخاصّة على الرغم من كونى لم اره فى مصر ولم ازر امريكا
قبل هذا اليوم قط .
ثمّ اخذ الصك منّى وصرّفه بنفسه . فقلت : معى ايضا صديق سودانىّ .
فذهب الى صديقى ودعاه الى غرفته وصرّف صكّه ايضا .
واخـبـرنـى عـنـد انـصـرافـى بـاءنـّه سـيـتـاءهـّب للقـائى ثـانـيـة ؛ لمـواصـلة احـاديـثـنـا المـاضـيـة
حول الادب والشعر والفنّ .
ولا اخـفـى انّى قد ارتعت من الرجل وما بدر منه ، فانطلقت من المصرف مسرعا لا الوى على شيى ء ، وما عدت إ ليه
قط ، وصرّفت صكّى ثانية بواسطة صديق آخر .
وإ نّى الى الا ن ما وجدت تفسيرا وتحليلا لهذا الموضوع ، سيّما انّ علماء الروح يذكرون له نظائر كثيرة .
اقول : إ نّ الرواية اعلاه تعدّ من المسلّمات التى لايعتريها الشك ؛ إ ذ بادر فريق من علماء المسلمين الذين يعتقدون
بـوجـود الروح قـبـل هـذا العـالم الى تـفـسـيـر هـذه الظـواهـر ونظائرها وحلّلوها طبق آرائهم ، وهم يرون انّ الارواح
قـبـل هـذا العـالم تـسـتـطـيـع ان تـتـقمّص اشكالا مختلفة ، فتكون صغيرة وكبيرة ، وتظهر باءىّ نحو وهيئة كانت ،
وتاءنس بالامكنة التى ترعرعت فيها خلال عالم الارواح .
وقـد بيّنت فى كتاب " بين يدى الاستاذ "((15))
موضوع " عالم الذّر " و" عالم الارواح " بصورة مسهبة ، وذكرت
انـّه ليـس هـنـاك ادنـى مـجـال للشك لدى المسلمين حول عالمى الارواح والذّر . إ لاّ انّ فريقا من الفلاسفة والعلماء
المسلمين وغيرهم لايرون وجودا للروح قبل هذا العالم ، ولم يعيروا لهذه الظواهر اهمّية ، وطووا كشوحهم عن الا يات
والروايـات ، وخـرّجـوا رايـهـم بـالقـول : لم يـكـن للروح وجـود
قـبـل البـدن الترابىّ ، وانّ المراد بعالم الذّر وعالم الميثاق هو عالم البدء وميثاق الفطرة وتكوين الخلقة ؛ إ ذ
حـيـنـمـا اخـرج اللّه بـنـى آدم مـن اصـلاب آبـائهـم الى ارحـام امـّهـاتـهـم - وهـم
بشكل ذرّات - اراهم صنعه ومكّنهم من معرفة دلائله ، ثمّ دلّهم بخلقه على توحيده .((16))
وإ نـّى احـسـب هـؤ لاء لايـفـرّقـون بـيـن الحـكـمـة والفـلسـفـة ، فـاعـتـاص عـليـهـم الامـر
واعـضـل .((17))
وليـت شـعـرى عـن هـؤ لاء العـلمـاء مـا يـصـنـعـون بـهـذه الحوادث والحكايات ؟ وكيف يقاومون مئات
الروايـات التـى وردت فـى شـتـّى الابـواب ، مـثـل " عـالم الارواح " و" عـالم الذّر "
وحـول " الطـيـنـة " و" تـعـارف النـاس مـع بـعـضـهـم البـعـض " وروايـات " العـالم
الاوّل " الذى يـجـعـل فـى عـداد الدنـيـا والا خـرة ، و" عـالم الاظـلّة " و" عـالم الاشـبـاح " ، والروايـات التـى
تقول : إ نّ الانسان قد اكتسب الفطرة والعلم الوجدانى فى ذلك العالم . فهذه الروايات صرّحت بصورة لاتدعو
مجالا للشك باسم عالم يسبق هذا العالم .
وانـا لا اريـد ان اردّ عـلى هـؤ لاء او اعقّب على كلامهم ، بيد انّى انحى عليهم باللائمة ؛ لما فرّطوا فى حقّ النبىّ
الصـادق الامـيـن الذى يـوحـى إ ليـه مـن قبل ربّ العالمين ؛ حيث صرّح باسم عالم يسبق عالمنا هذا ، وبيّن صفاته
ووضـّح حـالاتـه . فـليـس حرىّ بالمرء - كما قال بعض العلماء - ان يقلب ظهر المجنّ لمئات الاحاديث المتواتره ؛
لكونه يجافى " عالم الارواح " و" عالم الذّر " .
راى القائلين بالتناسخ
يـرى هـؤ لاء - كـمـا ذكـرنـا آنـفـا - انّ روح الانـسـان يـجـب ان تـصـل الى
الكـمـال فـى إ طـار البـدن ، فـإ ذا حـلّت فـى جـسـم ولم تـصـل الى
الكـمال المطلوب بعد مكوثها فيه مدّة فينبغى لها ان تعود الى الدنيا مرّة اخرى ، وتحلّ فى جسم آخر وتحيا حياة
اخرى ؛ لكى تكتسب الكمال . فإ ذا رجح كمالها تماما وانعتقت من القيود تعرج - آنذاك - الى الفضاء الرحب . وقد
اورد صـاحـب كـتـاب " الروح " - الذى يـعـدّ اشـدّ المـتـحـمـّسـيـن لهـذه النـظـريـة - عـدّة حـكـايـات
حول هذا الموضوع .
حياة متكرّرة
يـطـلق عـلى مـن يـنـوَّم مـغـنـطـيـسـيـّا اسـم وسـيـط ( sujet ) . وقـد نـوّم العـقـيـد " روكـا " طـيـلة اشـتـغـاله فـى هـذا
الحـقـل اشـخـاصـا ، اى وسـطـاء ذوى اسـتـعـداد وحـسّ مـرهف يعتمد عليهم ؛ لكى يصبحوا حينما ينوّمهم مغنطيسيّا رهن إ
شـارتـه ، ويـكونوا فى هذه الحالة منقادين إ ليه . ومن الذين اجرى عليهم هذه العملية فتاة تبلغ من العمر ثمانية
عـشـر عـامـا تـدعـى " جـوزفـيـن " ، وتـعـدّ افـضـل الوسـطـاء والانـمـوذج
الامثل لتجارب الكونيل " روكا " .
وذات يـوم نـوّم " روكـا " الا نـسـة " جـوزفـيـن " وطـلب مـنـهـا التـحـدّث عـن ذكـريـات
اوائل طـفـولتـهـا ، فـظـهـرت ردود فـعـل هـذا الامر على حالات " جوزفين " وروحيتها ؛ إ ذ شرعت فى سرد القصص
الجـمـيلة التى قصّتها عليها امّها ايّام الطفولة حول الشياطين والملائكة . وكان " روكا " حاذقا فى هذا المضمار ،
فقد حنّكته التجارب من خلال تنويمه لوسطائه وإ رجاعهم الى ماضيهم وايّام حداثتهم ، ممّا حفّزه على الطلب منهم
التكلّم عن حياتهم منذ نعومة اظفارهم .
والامـر المـثـيـر هنا هو انّ كلاًّ من هؤ لاء واجه الحوادث الماضية فى التنويم المغنطيسى بنفس الحالة التى واجهها
حـيـن مـرّت عـليه فى اليقظة خلال تاريخ حياته . فاءحد الوسطاء - وكان امراة - حينما عادت الى ايّام حملها ظهر
عـليـهـا اثـر الحـمـل كـمـا يظهر على امراة ما خض ، فبدات تئنّ وتستغيث . وآخر عاد الى فترة كانت الاسقام المضنية
تـعـصـف فـيـه ، فـبـانـت عـليـه نـهـكـة المـرض مـن تـوجـّع وشـحـوب . وعـاد ثـالث بـإ يـعـاز مـن
الكـلونـيـل الى الايّام الاولى لتعلّمه القراءة والكتابة ، فمسك بدون وعى قلما وطفق يكتب ، والعجيب انه كتب خطّا
يـشـبـه خـطـّه اثـنـاء الطـفـولة . وتـوغـّل " روكـا " فـى المـوضـوع اكـثـر ؛ إ ذ اوعـز يـومـا الى وسـيـطـه
المـفـضـّل " جـوزفين " ان تعود الى اقدم ذكريات طفولتها ، وامعن فى تنويمها ، فانعكس اثره عليها ، فعادت
الى ايّام طفولتها الاولى ، وغارت فى ذكرياتها اكثر فاءكثر حتّى عادت الى ايّام رضاعتها .
وفـجـاءة واجهت " روكا " ظاهرة عجيبة ، فعندما اوعز الى " جوزفين " بالعودة الى فترة ولادتها تاه وسط سكوت
مـطـبـق فـى مـفـازة تـكـتـنـفـهـا الاسـرار ، ولم يـهـتـدِ الى اثـر اورسـم ، وبـقـى عـلى هـذا
الحـال بـضـع دقـائق . ارتـبك " روكا " فى هذه الظاهرة ، واعتراه شعور غير طبيعى للفور باءنّ " جوزفين " قد
طرقت عالما بعيدا فى القدم ، ويبدو انّها ولجت فى العالم الذى يسبق ولادتها .
مـرّت الحـادثـة بـسـرعـة خـاطـفـة اثـارت دهـشـة " روكـا " وحيرته ، وقد اعدّ إ بّان ذلك تقريرا جاء فيه : اكتشفت
خـلال هـذه التـجـربـة اثـرا جـديـدا مـن آثـار عـلم النـفـس ، لا اهـتـدى الى وصـفـه
وتـحـليـل ظـاهـرتـه ، وآمـل فـى المـسـتـقـبـل القـريـب ان اشـخـّص مـاهـيـتـه وابـيـّن اعـراضـه مـن
خلال مواصلة التجارب .
وهو كما يقول " روكا " ؛ إ ذ استطاع - لاوّل مرّة - ان يرجع إ نسانا الى مؤ تنف حياته ، ليجتاز من ميلاده الى ماوراء
ذلك ؛ حـيـث ثـمـّة عـالم يـغـشـيـه الظـلام وتـكـتـنـفـه الاسـرار ، وإ نّ " جـوزفـيـن " قـد ولجـت هـذا العـالم
المذهل .
وضـاعف " روكا " بدون وعى اثر القوّة المغنطيسية الى اقصى حدّ ، فخلدت " جوزفين " الى سبات عميق . وبينما
كـانـت عـلى هـذه الحـال حـدث فـجـاءة حـادث عـجـيـب لم يـكـن بـالحـسـبـان ، فـقـد طـرق سـمـع
الكـلونـيـل صـوت لانـسـان آخـر انـبـعـث مـن حـنـجـرة " جـوزفـيـن " ، وكـان الصـوت صـاخـبـا اجـشّ ،
لرجل طاعن فى السنّ ، يبدو على نبرات صوته التذمّر والامتعاض .
وبـدا على " روكا " الاعياء والنصب ، ولكن حبّ الاطلاع كان ينعشه ويدفعه الى مواصلة البحث والتحقيق . فخاطب
الرجل المسنّ بقوله : من انت ؟ وما شاءنك ؟
ومـن البـديـهـىّ انّ صـوت الرجـل العـجـوز قـد انـطلق من عالم الاموات ، اى من ذلك العالم الا خر ، وإ ذا استطاع ان
يـتـجاذب معه اطراف الحديث فسيحصل على اسرار كثيرة ، إ لاّ انّ المخاطب الذى ينبعث صوته من حنجرة " جوزفين "
لم يـجـب اوّل الامـر عـن سـؤ اله ولزم جـانـب الصـمـت . وبـعـد ان كـرّر السـؤ
ال اجاب بصوت ينتابه اللغط :
لبـّيـك ، هـا انـاذا بـيـن يـديك ، ولكنّى لا ارى شيئا ، فاءنا ملقى فى مكان مظلم . وهنا ضاعف " روكا " التاءثير
المغنطيسى بكلّ ما اوتى من قوّة ، فاءضاف الرجل العجوز بصوت رخيم بعد ان لانت عريكته :
سل عمّا بدالك .
فبادر " روكا " للتوّالى سؤ اله عن شخصيته وحاله ، وانبرى الشيخ لاسئلة " روكا " مجيبا بصوت كنئيم الفهد
:
اسـمـى " جـان كلود " ، ولدت فى " شانوان " ، دخلت المدرسة وواصلت الدراسة فيها حتّى السنّ الثامنة عشرة ،
ثمّ ادّيت الخدمة العسكرية ، فانتسبت الى سريّة المدفعية الثانية .
وهـنـا تـذكـّر الرجـل العـجوز زملاءه اثناء خدمة العلم ، واصبح - وهو يستعرض ذكرياته - جذلان مسرورا . وكان "
روكـا " يـقـف امـام " جـوزفـيـن " وهـى نـائمـة ، فـشـاهـدهـا تـمـدّيـدهـا الى طـرف فـمـهـا بـدون وعـى ، كـاءنـّهـا
رجل ذو شارب غليظ منكبّ على فتله .
ومن الواضح انّ هذا الرجل المسنّ الساخط الذى ينبعث صوته من فم الفتاة ، والذى يسرد ذكريات شبابه هو روح
" جـوزفـيـن " نـفـسـهـا ؛ إ ذ عـاشـت قـبـلهـا ردحـا مـن الزمـن بـشـكـل آخـر وفـى إ طـار آخـر بـصـورة
رجـل ، وحـضـرت روحـه مـن عـالم الامـوات ، وتـمـثـّلت امـام " روكـا " تـحـكـى له قـصـّة حـيـاتـهـا .
وقـال الرجـل العـجـوز خـلال اسـتـعـراض الحـوادث التـى صـادفـتـه ايـّام حـيـاتـه : عـدت الى مـديـنـتـى بـعـد إ
كـمـال الخـدمـة العسكرية . ثمّ اسهب فى سرد قصّة حياته وتفيهق ، وذكر انّه قضى حياته اعزب ، فاتّخذ عشيقة
قـضـّى مـعـهـا ايـّامـا مـمـتـعـة . واخـيـرا ذكـر انـّه رحـل عـن هـذه الدار الفـانية بعد ان ناهز السبعين إ ثر مرض مزمن
عضال ، واصبح فى عداد الاموات .
نـحـن امـام مـشهد مثير ومدهش ، فلاوّل مرّة نواجه روح إ نسان حىّ تعود الى ماضيها بواسطة التنويم المغنطيسى ،
وتـتـقـهـقـر الى الوراء وتـجـتـاز حـدود الولادة ، وتـدخـل مـن خـلال بـوّابـة دنـيـا يـلفـّهـا الظـلام الدامـس
قبل الولادة . وتمثّلت لنا هذه المرّة رجلا مسنّا ، يظهر من عالم الاموات بعد ان عاش سبعين سنة فى الدنيا ، ويشرع
بالتكلّم معنا من وراء ذلك العالم .
إ نّ مـا يـقـوله هـو كـلام رجـل مـيـّت ، يـطـرق اسـمـاعـنـا مـن وراء رمـسـه . ونستطيع الا حاطة بهذه الاسرار بإ حضار
الرجل العجوز ثانية بواسطة جسم " جوزفين " بإ معان من " روكا " ورغبة منه .
تابع الرجل العجوز حديثه قائلا :
حـيـنما فاضت نفسى احسست بغتة باءنّى انفصلت عن جسمى ، وبقيت مدّة محلّقا فى الفضاء ، وانا انظر الى جسدى
ثاويا فى زاوية بلاروح ، وكانت روحى مبعثرة ، فاتّخذت وضعا معيّنا تدريجيّا ، فى وسط تعتوره ظلمة مدلهمّة
لازلت اكابدها الى الا ن .
ولا احـسّ فـى هـذه الحال باءىّ الم ومعاناة بعد ، ولا ارى الى متى ابقى هكذا . وقد شاهدت عدّت مرّات بصيص نور
يـضـيـى ء حـوالى ، وظـنـنـت فـى كـلّ مـرّة انـّى حـيـيـت ثانية ، ولكن سرعان ما يخيب ظنّى . وهذا لا يعنى انّى ميّت ،
بل حىّ بشكل آخر ، متقمّصا صورة طفل اطلق علىّ فيما بعد اسم " جوزفين " .
وفـى المـحـيط الذى حللت فيه اصبح شبح امّ " جوزفين " اكثر قربا منّى شيئا فشيئا ، واحتويته رغم إ رادتى ،
ثـمّ حـان مـخـاض الامّ فـولدت " جـوزفـين " اخيرا . وحللت ساعتئذ فى جسم وليد ، فكنت استطيع رؤ ية الحوادث
التـى تـجـرى فـى عـالم الارواح مـن خـلال دخـان رقـيـق ، وفـى السـنـة السـابـعـة مـن عـمـرهـا
اسدل ستر بينى وبين تلك الحوادث حتّى نسيتها كلّها تماما .
وهـنـا عـنـّت للعـقيد " روكا " فكرة جديدة ، وهى مواصلة التجربة ، اى إ رجاع روح الشيخ الى حياته الماضية ،
والوصـول بـه الى الايـّام الاولى مـن ولادتـه ، ومـن ثـمّ إ رجـاعـه القـهـقـرى ؛ لكـى يـجـتـاز مـيـلاده
ويـصـل الى مـاوراء ذلك ، يـعـنـى يـفـعـل مـعـه كـمـا فـعـل مـع " جـوزفـيـن " ، فـيـرجـعـه الى مـرحـلة مـا
قـبـل الولادة ، واخـيـرا يـجـعـل الشـيـخ هـو المـخـاطـب كـمـا فـعـل بـه
اوّل الامـر ؛ ليـرى هـل كـان يـحـيـا حـيـاة اخـرى ايـضـا بـصـورة شـخـص آخـر
قبل ولادته ؟
إ نـكـفـاء " روكـا " الى العـمـل ، وانـهمك فى تنويم الرجل المسنّ بنفس الطريقة وبطاقة مغنطيسية مضاعفة . إ نّ هذا
لشـيـى ء عـجـاب حقّا ؛ إ ذ كيف يتاءتّى لا نسان حىّ اختبار قوّته فى مختبر بواسطة جثّة متفسّخة لا نسان ميّت . عاد
الشـيـخ بـتـلقـيـن مـن " روكـا " الى ايّامه الاولى ، فوصل الى شرخ شبابه وايّام صباه وولادته . وبعد ثلاثة
ارباع الساعة اجتاز بوّابة حياته بجهود " روكا " وسعيه ، فتجاوز جيلا من الناس .
وهـنـا مـرّت الروح ثـانـيـة بـعـالم يـسـوده ليـل قـاتـم ، ويـهـيـمـن عـليـه سـرّكـاتـم ، وهـو عـالم مـا
قـبـل المـيـلاد ، ومـرّت عـلى " روكـا " لحـظـات حـرجـة ومـضـنـيـة ، فـهـو كـسـالك فـلاة
يجهل ما سيصادفه . وفجاءة ! سمع صراخا منكرا ، وكان هذه المرّة صوت امراة عجوز تئنّ من وجع ، فبادر " روكا "
الى السؤ ال فورا :
من انت ؟ افصحى عن هويّتك !
فانبعث صوت مزعج من حنجرة " جوزفين " ايضا :
الظلام حالك هنا ، إ نّ الاشباح والارواح المخيفة تحوطنى !
إ لاّ انّ هـذه العـجـوزة لم تـلجـاء فـى حـديـثـهـا الى الا سـهـاب
والتطويل كما فعل الرجل العجوز ، وافرغ " روكا " ما فى وسعه لا فراخ روعها ؛ ليصغى الى قصّة حياتها .
واذكـّرك - عـزيزى القارى ء - ثانية باءمر خطير ، وهو انّ روح هذه الفتاة ذات الثامنة عشرة سنة قد اجتازت جيلا
فى التنويم المغنطيسى ، فتكلّمت بلسان رجل عجوز تارة ، ثمّ رجعت الى الوراء اكثر فاجتازت جيلا آخر ، فتكلّمت
بلسان امراة عجوز تارة اخرى . فالمنوّم يتكلّم مع روح ميّت متوفّى منذ سنين ، كما انّ هؤ لاء الاموات اتّخذوا اشكالا
مختلفة من خلال روح واحدة طيلة هذه السنوات ، وهى فى الحقيقة روح " جوزفين " ، ظهرت فى الدنيا بثلاث صور
. وتـبـرهـن لنـا هـذه الظـاهـرة - إ ن ركـنـا الى هـذه التـجـربـة كـليـّة - عـلى انّ الا نـسـان مـذعـن
لتـبـديـل جـسـده بـاخـر فـى هـذا العالم على الدوام ؛ لتطهير سريرته ، وللتكفير عن جريرته ، فالقائلون
بالتناسخ - كما ذكرنا - يصدّقون هذه الظواهر ويؤ منون بها .
اجـل ، إ نّ روح " جـوزفـيـن " كـانـت قـد حـلّت فـى بـدن المـراة العـجـوز
قبل ان تحلّ فى بدن الرجل العجوز .
وتابع " روكا " حديثه حول هذه المراة بالقول :
كـان علىّ ان انوّم " جوزفين " تنويما عميقا ؛ لكى اواصل التجربة ، ومن ثمّ اذكّرها بملامح هذه المراة العجوز . إ
نـهـا تـدعـى " فـيـلومـن كارترون " كما كشفت عن هويتها ، إ نّها تتكلّم بلهجة جافية . وحينما استرسلت فى حديثها
قـالت : ولدت عـام ( 1702 م ) ، وكـنـت ادعـى قـبـل زواجـى بـاسـم " فـيـلومـن شـاربـيـنـى " . ومـا كـنـت اتـمـتـّع
بجمال يجذب انظار اترابى من الشباب ، فتزوّجنى رجل من مواطنى الاتّحاد السوفيتى يدعى " كارترون " عام (
1732 م ) ، وانـجـبـت طـفـليـن كـلاهـمـا مـاتـا . وكـانـت روح هـذه المـراة -
والقـول للكـلونـيـل - تـتـقـمـّص قـبـل جـيـل مـن حـيـاتـهـا هـذه شـكل طفلة صغيرة ماتت ايّام طفولتها . وكانت متقمّصة
قبل جيل من ذلك الجيل ايضا جسم رجل قاتل ، وما هذا العذاب والمعاناة بعد كلّ موت والعيش فى ظلام القبر الحالك إ
لاّ جـزاء مـا اقـتـرفته من إ ثم وقتل ، ولم تنتهز الفرصة عند عودتها الى الدنيا فى جسم تلك الطفلة البريئة ؛
لكى تخفّف عن كاهلها ما تنوء به من ذنوب وآثام ، علما انّها قد قلّمت اظفارها عن اذى الناس ايضا .
وخـتـم " روكـا " حـديثه قائلا : لم استطع مواصلة التجربة من حيث انتهيت ؛ لانّ " جوزفين " - وهى محور تجاربى
هـذه - اصـبـحـت فـى حـالة يـرثـى لهـا ، إ ذ كـانـت تـحـرّك يـديـهـا ورجـليـهـا طـيـلة التـنـويـم المـغـنـطيسى كرد
فعل على جزعها . ولمّا لحظت اضطرابها عزفت عن تسخيرها اكثر من ذلك .
والامـر المـثـيـر فـى هـذه التجربة الفريدة هو حضور آنسة شابّة تدعى " لويز " عند إ جراء التجربة ، كان "
روكـا " قد استدعاها لمراقبة الحالات التى تطرا على " جوزفين " اثناء التنويم المغنطيسى . ويصفها " روكا "
بـقـوله : إ نّها ذات روحيّة قويّة ومتّزنة ، ولها قدرة على رؤ ية سيولة ارواح الاحياء والاموات فى حالتى الظهور
والاخـتـفـاء . تـقـول " لويـز " : حـينما تذكّرت " جوزفين " ايّام طفولتها ظهر حولها ضباب او سحاب سمحاقى ،
تحوّل الى سحاب مركوم حينما اجتازت الحدّ الفاصل بين الموت والحياة .
وعـقـّب " روكـا " عـلى كـلامـهـا بـالقـول : بـعـد سـمـاعـى قـول الا نـسـة " لويـز " تـبـادر الى ذهـنـى فـورا
قـول الرجـل العـجـوز : عند حلولى فى جسم " جوزفين " خلال مرحلة الطفولة احاط بى مايشبه السحاب او الغبار
الرقيق ، فرايت من خلاله بعض ما يجرى فى عالم الارواح ، ثمّ نسيتها كلّها .((18))
ثـمّ نـقـل صـاحـب كـتـاب ( الروح ) نـفـسـه حـادثـة اخـرى تـعـضـد رايـه
القـائل بـالتـنـاسـخ ، فـقـال : لدىّ حـادثـة عـجـيـبـة اخـرى فـى هـذا المـضـمـار ايـضـا . فـقـد كـتـب "
غابريل دلان " الخبير العالمى فى علم الارواح ورئيس مجمع خبراء الروح الفرنسيين فى احد كتبه الحادثة ادناه
، واثبت من خلالها وجود الروح بعد الموت ، نقلا عن السيد " واركوليه " الفرنسى صاحب كتاب ( Telepathie )
الفـراسـة ، قـصـّتـهـا عـليـه امـراة اطـلق عـليـهـا اسـم السـيـدة ( ب ) ، فـى تـمـّوز مـن عـام ( 1919 م ) ، بلهجة
تدلّل على صدقها ، قالت :
كـان لى ابـن احـبّه حبّا شديدا ، قتل فى السنة الثامنة عشرة من عمره فى جبهات الحرب ، وبعد بضعة اشهر مات
زوجى ايضا ، وبقيت انا وبنت لى متزوّجة منذ مدّة ، وهى تشاطرنى بعض مشاهد هذه القصّة . وكان ولدى واحد عصره
وقـريـع دهـره ، لم يـدانـيـه احـد فـى حدّة ذكائه وقوّة ذاكرته . فكان يعدّ من الشخصيّات المتاءلّقة فى الميدان
السـيـاسـى ؛ لمـا جـادبـه قلمه من مقالان وتحليلات سياسية . وحينما اضطرمت الحرب العالمية الاولى سارع الى
التـطـوّع فـى الخـدمـة العـسـكـريـة ، وسـيـق الى جـبـهـات القـتـال بـرتـبة ملازم ثانٍ . وقد ابدى بسالة فائقة
خـلال المـعـارك ، حتّى حاز على تقدير قادته واعتزازهم به ، فقلّدوه اوسمة الشجاعة لمرّات عديدة . واخيرا اصيب
بجرح عميق فنقل الى مستشفى عسكرى فى الخطوط الخلفية ، ففاظت نفسه متاءثّرا بجراحه .
|