حتى
متى تريدون أن تظلوا تغطون في نوم الغفلة،
ومنغمسين في الفساد والضياع؟.. اتقوا الله..
اخشوا عاقبة الأمور.. أفيقوا من غفلتكم..
إنكم لم تفيقوا بعد ولم تخطوا الخطوة
الأولى. إن "اليقظة" تمثل الخطوة
الأولى في السلوك. ولكنكم مازلتم تغطون في
نوم عميق. فلو لم تكن الأفئدة ملوثة بنوم
الغفلة، والقلوب اسودت وصدئت نتيجة
للذنوب، لما كنتم هكذا غير مبالين وغير
مهتمين، تواصلون الأعمال والأقوال
المشينة. فلو فكرتم قليلاً بأمور آخرتكم
وعقباتها الكأداء لأوليتم اهتماماً أكبر
للمسؤوليات الجسام الملقاة على عواتقكم.
إن
وراءكم حساباً، كما أن أمامكم معاداً
وقيامة (فلستم كسائر الكائنات التي لا
معاد لها ولا حساب عليها). فلماذا لا
تتعظون؟ لماذا لا تفيقون وتتيقظون؟ لماذا
تخوضون مطمئنين في الاغتياب والإساءة إلى
إخوتكم المسلمين أو تستمعون إلى ذلك؟. هل
تعلمون أن هذه الألسن التي تمتد لاستغابة
الآخرين، سوف تداس بأرجل الآخرين يوم
القيامة؟ هل تعلمون أن الغيبة إدام كلاب
النار. هل فكرتم
أصلاً في العواقب الوخيمة السيئة لهذه
الاختلافات والعداوات والحسد وإساءة الظن
والأنانية والغرور والتكبر؟ هل تعلمون
أنه من الممكن أن تكون جهنم عاقبة هذه
الأفعال الدنيئة المحرمة وتقود إلى
الخلود في نار جهنم؟
لا
قدر الله أن يبتلى الإنسان بأمراض لا تبدو
آلامها. إن الأمراض المؤلمة تدفع الإنسان
لأن يفكر بعلاجها، فيذهب إلى مراجعة
الطبيب أو المستشفى. بيد أن المرض الذي لا
يرافقه الألم ولا يشعر الإنسان بتبعاته،
مرض خطر لأنه عندما يتنبه الإنسان إليه
يكون قد فات الأوان واستحال العلاج.
والأمراض
النفسية هي من هذا النوع. فلو كانت مصحوبة
بالألم المباشر لحرّكت المصاب ودفعته إلى
معالجتها. ولكن ماذا نفعل؟ ماذا نفعل
مادامت هذه الأمراض لا يحس بآلامها رغم
خطورتها؟
إن
مرض الغرور والأنانية، من الأمراض التي لا
تظهر آلامها.. المعاصي الأخرى تفسد القلب
والروح دونما ألم. إن هذه الأمراض ليست فقط
غير مصحوبة بالألم، بل تتسم بظاهر يبعث
على التلذذ. إذ إن مجالس الغيبة والنميمة
قد تكون محببة!. فالإنسان يشعر مع حب النفس
وحب الدنيا ـ اللذان هما مصدر جميع الذنوب
ـ بلذة ونشوة.
إن
المبتلى بالاستسقاء يقضي عليه الماء، إلا
أنه يتلذذ به إلى آخر نفس من أنفاسه. ولا شك
في أن الإنسان إذا ما تلذذ بمرض لا يصاحبه
ألم، لم يذهب لمعالجته ولا يعبأ بكل من
يحذره من خطورة هذا المرض.
فإذا
ما ابتلي الإنسان بحب الدنيا واتباع
الهوى، واستحوذ حب الدنيا على قلبه، فإنه
يتألم من كل شيء عدا الأمور الدنيوية،
ويعادي ـ والعياذ بالله ـ الله وعباد الله
والأنبياء والأولياء وملائكة الله، ويحس
بالحقد والبغضاء. وحينما يأتي أجله وتأتي
ملائكة الله لتتوفاه يشعر بالاستياء
الشديد وينفر منهم، لأنهم يريدون أن
يبعدوه عن محبوبته (الدنيا والأمور
الدنيوية)، ولذلك يبغضهم وينفر منهم،
وربما يخرج من هذه الدنيا وهو عدو لله
تعالى.
حدث
أحد الأكابر من أهالي قزوين ـ رحمة الله ـ
فقال: إنه كان جالساً عند رأس شخص يحتضر
فسمعه يقول: إن الظلم الذي ظلمني إياه الله
تعالى لم يظلمني مثله أحد. لقد بذلت مهجتي
في تربية أولادي، وهاهو يريد أن يبعدني
عنهم! فهل هناك ظلم أشد من هذا وأعظم؟
فإذا
لم يهذب الإنسان نفسه، ولم يعرض عن الدنيا
ويخرج حبها من قلبه، فيخشى عليه أن يترك
الدنيا وقلبه مملوء بالحقد على الله
وأوليائه وأن يواجه مثل هذا المصير
المشؤوم.
هل
حقاً إن هذا الإنسان الصلف هو أشرف
المخلوقات، أم هو في الحقيقة أشر
المخلوقات؟: { والعصر * إن
الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا
الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}.
إن
المستثنى في هذه السورة هم "المؤمنون"
الذين عملوا الصالحات فحسب. و"العمل
الصالح" هو الذي ينسجم مع الروح. ولكن
كثيراً من أعمال الإنسان ـ كما ترون ـ
تنسجم مع الجسم دون أن يوجد من التواصي
المذكور في السورة المباركة عين أو أثر.
فإذا
كان الأساس أن يسيطر عليكم حب الدنيا وحب
النفس ويحول دون درككم للحقائق
والواقعيات، ودون أن يكون عملكم خالصاً
لوجه الله تعالى، ويمنعكم عن التواصي
بالحق والتواصي بالصبر، وسد طريق الهداية
أمامكم؛ فإذا كان هذا الأساس فستبوؤون
بالخسران المبين وتكونون ممن خسر الدنيا
والآخرة، لأنكم قد أضعتم شبابكم وحُرمتم
من نعم الجنة ونعيم الآخرة، أضعتم دنياكم
وآخرتكم. فالآخرون إذا ما أغلقت طريق
الجنة أمامهم، وسدت في وجوههم أبواب رحمة
الله، واستحقوا الخلود في النار، فإنهم قد
حظوا ـ على الأقل ـ بالدنيا وتمتعوا
بلذائذها. أما أنتم..
احذروا
أن يستفحل ـ لا سمح الله ـ حب الدنيا وحب
النفس شيئاً فشيئاً في نفوسكم، ويصل بكم
الأمر إلى أن يتمكن الشيطان من سلب
إيمانكم؛ إذ يقال أن كل جهود الشيطان
تتكرس لسرقة الإيمان وسلبه..
إن
كل جهود إبليس ومساعيه مكرسة لاختطاف
إيمان الإنسان. فلم يقدم لكم أحد تعهداً أو
مستنداً ببقاء إيمانكم. فما أدراكم لعله
إيمان مستودع
يتمكن الشيطان في النهاية من سلبه منكم،
فتخرجون من الدنيا بعداوة الله وأوليائه..
عمر قضيتموه تتنعمون بالنعم الإلهية
وتجلسون على مائدة الإمام صاحب الزمان (عج)،
وفي النهاية تفارقون الحياة عديمي
الإيمان والعياذ بالله، وتعادون ولي
نعمتكم.
وعليه،
فإذا كانت لديكم علاقة بالدنيا ومحبة لها،
فحاولوا بكل جهدكم أن تقطعوا هذه العلائق.
إن هذه الدنيا مع كل زخارفها وبهارجها،
أحقر من أن تستحق المحبة، فكيف إذا ما كان
الإنسان محروماً حتى من هذه المظاهر.
فماذا تملكون أنتم من الدنيا حتى تنشد
قلوبكم إليها؟ فهل لديكم غير المسجد
والمحراب والمدرسة؟ فهل من الصحيح أن
تتنافسوا على المسجد والمحراب وتثيروا
النزاعات وتفسدوا المجتمع؟ وإذا افترضنا
أن لكم من الدنيا ما للمرفهين والمترفين،
فإنكم ستقضون ـ لا سمح الله ـ عمركم
باللذائذ ثم ترون عند انتهاء العمر أن كل
ذلك ليس أكثر من حلم جميل سرعان ما انقضى،
بيد أن تبعاته ومسؤولياته سوف تبقى
تلاحقكم وتأخذ بخناقكم دوماً. فما قيمة
هذه الحياة السريعة الفناء الحلوة الظاهر
ـ هذا إذا انقضت دونما غصص ـ في مقابل
العذاب الدائم؟.
إن
عذاب "أهل الدنيا" يكون أحياناً غير
متناه؛ هذا فضلاً عن أن أهل الدنيا
يتصورون أنهم قد ملكوا الدنيا واستمتعوا
بجميع مزاياها ومنافعها، إلا أنهم مخطئون
وغافلون. إن كل واحد ينظر إلى الدنيا من
نافذة محيطه وبيئته، ويتصور أن الدنيا هي
كما يرى. بيد أن هذا العالم أوسع من أن
يستطيع الإنسان أن يتصوره ويتمكن من
اكتشافه وسبر أغواره. وقد ورد في الحديث
الشريف عن هذه الدنيا، بأن الله تبارك
وتعالى "ما نظر إليها نظر رحمة".
وعليه
ينبغي لنا أن نتعرف على حقيقة ذلك العالم
الذي نظر إليه الله تعالى "نظرة رحمة"..
ما هو "معدن العظمة" الذي دُعي إليه
الإنسان؟ وما هي حقيقته؟. إن الإنسان أصغر
من أن يدرك حقيقة "معدن العظمة".
إنكم
إذا أخلصتم نواياكم وأصلحتم أعمالكم
وأخرجتم من قلوبكم حب النفس وحب الحياة،
فإن الدرجات الرفيعة والمقامات العالية
قد أعدت لكم وهي في انتظاركم.. إن الدنيا
وما فيها بكل بهارجها وزخارفها لا تساوي
ذرة من المقام الذي أعد لعباد الله
الصالحين. فجدوا واجتهدوا لبلوغ هذه
المقامات السامية. وإذا ما استطعتم فابنوا
أنفسكم واسموا بها إلى درجة لا تعبأوا حتى
بهذه المقامات العالية والدرجات الرفيعة.
لا
تعبدوا الله تعالى من أجل نيل هذه الأمور.
بل اعبدوه لأنه أهل للعبادة..
اسجدوا لله وعفّروا جباهكم بالتراب،
حينها تخترقون "حجب النور" وتصلون
إلى "معدن العظمة". فهل بمقدوركم أن
تحققوا هذه المكانة والمنزلة من خلال
أعمالكم هذه وهذا الطريق الذي تسلكونه؟.
هل تتصورون أن النجاة من عقاب الله تعالى
واجتياز العقبات المهولة والتخلص من نار
جهنم، يتحقق بهذه السهولة؟ هل تتصورون أن
بكاء الأئمة الأطهار ونحيب الإمام السجاد
(ع)، هو من أجل تعليمنا؟ إنهم رغم منزلتهم
العظيمة السامية ومقامهم الذي لا يضاهى،
كانوا يبكون من خشية الله تعالى، لأنهم
يعلمون مدى خطورة الطريق الذي سيجتازونه.
كانوا مطلعين على المشاكل والصعوبات التي
تعترض اجتياز الصراط؛ الصراط الذي يمثل
أحد طرفيه الدنيا وطرفه الآخر الآخرة..
كانوا مطلعين على عوالم القبر والبرزخ
والقيامة وعقباتها الكأداء؛ لذلك لم يكن
يقر لهم قرار، وكانوا دائماً يلجأون إلى
الله ويدعونه للنجاة من هول يوم القيامة.
فماذا
أعددتم أنتم لهذه العقبات الكأداء
والعقوبات التي لا تطاق، وأي طريق نجاة
اخترتم؟ متى تريدون أن تهتموا بأنفسكم
وتعلموا على تهذيبها وإصلاحها؟ إنكم الآن
في ريعان الشباب قادرين على التحكم بقواكم
ولم يدب الضعف بعد إلى أبدانكم؛ فإذا لم
تفكروا الآن بتزكية أنفسكم وبناء ذواتكم،
فكيف ستتمكنون من ذلك غداً عندما يتغلب
الضعف عليكم ويسيطر الوهن، وتفقدون العزم
وتضمحل فيكم الإرادة، فيكون ثقل الذنوب قد
زاد من ظلمة القلب، عندها كيف يتسنى لكم
بناء أنفسكم وتهذيبها؟
إن
كل نفس تتنفسونه، وكل خطوة تخطونها، وكل
لحظة تنصرم من أعماركم، يزيد من صعوبة
إصلاحكم أنفسكم، وربما زاد أيضاً في ظلمة
القلب والتباهي والغرور. فكلما يتقدم
العمر بالإنسان تزداد هذه الأمور التي
تتعارض مع سعادة الإنسان، وتضعف القدرة
على الإصلاح. فإذا بلغتم مرحلة الشيخوخة
فمن الصعب أن توفقوا لاكتساب الفضيلة
والتقوى. ليس بمقدوركم أن تتوبوا، لأن
التوبة لا تتحقق بمجرد لفظة "أتوب إلى
الله"، بل تتوقف على الندم والعزم على
ترك الذنوب.
وإن الندم والعزم على ترك الذنوب لن يحصلا
للذين أمضوا عمراً في الغيبة والكذب
وابيضت لحاهم على المعصية والذنوب، فمثل
هؤلاء يظلون أسارى ذنوبهم إلى آخر أعمارهم.
فليتحرك
الشباب قبل أن يداهمهم المشيب. ـ لقد بلغنا
هذه المرحلة ونحن أعلم بمعاناتها
ومصائبها ـ. إنكم مادمتم في مرحلة الشباب
تستطيعون أن تفعلوا كل شيء. فما دمتم
تملكون عزيمة الشباب وإرادة الشباب،
باستطاعتكم أن تتخلصوا من أهواء النفس
ورغباتها الحيوانية. ولكن إذا لم تبادروا
إلى ذلك، ولم تفكروا بإصلاح أنفسكم
وبنائها، فسوف يكون ذلك ضرباً من المحال
عندما تبلغون مرحلة الهرم.. فكروا بأنفسكم
مادمتم شباباً ولا تنتظروا إلى أن تصبحوا
شيبة ضعافاً عاجزين.
إن
قلب الشباب قلب رقيق وملكوتي، ودوافع
الفساد فيه ضعيفة. ولكن كلما كبر الإنسان
استحكمت في قلبه جذور المعصية إلى أن يصبح
استئصالها من القلب أمراً مستحيلاً. كما
ورد في الحديث الشريف عن أبي جعفر (ع) أنه
قال: ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء،
فإذا أذنب ذنباً خرج في النكتة نكتة سوداء
فإن تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في
الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض،
فإذا تغطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير
أبداً.
إن
إنساناً من هذا النوع قد لا يمر عليه يوم
أو ليلة دون أن يعصي الله تعالى، وحينها
يكون من الصعب أن يرجع قلبه في سن الشيخوخة
إلى حالته الأولى. فإذا لم تصلحوا أنفسكم ـ
لا سمح الله ـ وخرجتم من الدنيا بقلوب
سوداء وعيون وآذان وألسنة ملوثة بالذنوب،
فكيف ستقابلون الله تعالى؟ كيف ستؤدون هذه
الأمانات الإلهية التي استودعكم الله
إياها بمنتهى الطهارة والبراءة، مدنسة
بالقذارة والرذالة؟
هذه
العين وهذه الأذن اللتان هما تحت تصرفكم،
وهذه اليد وهذا اللسان اللذان تحت سلطتكم،
وهذه الأعضاء والجوارح التي تعيشون معها،
كلها أمانات الله سبحانه وتعالى، وقد
منحكم إياها في غاية السلامة والطهارة،
فإذا ابتليت بالمعاصي فسوف تتلوث، وإذا
تلوثت ـ لا سمح الله ـ بالمحرمات فسوف تجد
طريقها إلى الرذالة، وآنذاك عندما تريدون
إعادة هذه الأمانة فقد تسألون: أهكذا تحفظ
الأمانة؟ هكذا كان القلب عندما أعطي لكم؟
العين التي استودعناكم إياها، هكذا كانت؟
وسائر الأعضاء والجوارح التي جعلناها تحت
تصرفكم، هل كانت هكذا ملوثة وقذرة؟
بماذا
ستجيبون عن هذه الأسئلة؟ وكيف ستواجهون
الله الذي خنتم أماناته إلى هذا الحد من
الخيانة؟ إنكم الآن شباب، وقد قررتم أن
تفنوا شبابكم في هذا الطريق الذي لن
ينفعكم دنيوياً بما يستحق الذكر. فإذا
أمضيتم أوقاتكم الثمينة هذه وقضيتم ربيع
شبابكم في طريق الله ومن أجل هدف مقدس،
فإنكم ليس فقط لم تخسروا شيئاً بل تربحون
الدنيا والآخرة.
ولكن
إذا ما استمرت أوضاعكم على هذا المنوال
الذي عليه الآن، فإنكم تتلفون شبابكم
وتهدرون خيرة سنوات عمركم، وستكونون
مسؤولين أعظم مسؤولية عند الله تعالى في
العالم الآخر. علماً أن جزاء أعمالكم
الفاسدة والمفسدة هذه لا ينحصر بالعالم
الآخر، بل إنكم سترون أنفسكم في هذه
الدنيا وقد أحاط بكم البلاء من كل جانب،
وسدت عليكم الآفاق وضيق الخناق.
تحذير آخر
إن
مستقبلكم مظلم؛ يحيط بكم أعداء كثيرون من
كل صوب، وقد وضعوا الخطط الجهنمية الفتاكة
للقضاء عليكم وعلى الحوزات العلمية.. لقد
وضعت الأيادي الاستعمارية خططاً خطيرة
للإحاطة بكم.. خططاً جهنمية تستهدف
الإسلام والمسلمين. إنهم وتحت ستار
الإسلام وضعوا لكم خططاً خطيرة، وإنكم لن
تستطيعوا أن تتخلصوا من خططهم الشيطانية
إلا في ظل بنا الذات والتهذيب والنظم
والترتيب السليم. فبهذا وحده تستطيعون أن
تحبطوا محاولاتهم المجرمة هذه.
إنني
أقضي الآن آخر أيام حياتي، وسأفارقكم
عاجلاً أو آجلاً، ولكني أتوقع لكم
مستقبلاً مظلماً وأياماً سوداء. فإذا لم
تصلحوا أنفسكم وتتجهزوا وتجعلوا النظام
والانضباط حاكماً على دراستكم وحياتكم،
فإنكم محكومون بالفناء والاندثار ـ لا سمح
الله ـ.
ففكروا
قبل أن تضيع الفرصة، وقبل أن يستولي
الأعداء على جميع شؤونكم الدينية
والعلمية. فكروا وانتبهوا وتحركوا.. ففي
المرحلة الأولى اهتموا بتهذيب النفس
وتزكيتها، وإصلاح ذات بينكم. خذوا بوسائل
العصر.. نظموا أموركم، وابسطوا النظام
والانضباط على كل شؤون الحوزات العلمية..
لا تدعوا الآخرين يحاولون تنظيم هذه
الحوزات. لا تسمحوا للأعداء أن يتسلطوا
عليها زاعمين أن العلماء ليسوا أهلاً لشيء
ولا يقدرون أن يفعلوا شيئاً، إنما هم
مجموعة عاطلين عن العمل.. إنهم بهذه
الذرائع يريدون إفساد هذه الحوزات بذريعة
إصلاحها وتنظيمها. يريدون أن يتسلطوا
عليكم، فلا تدعوا لهم عذراً. فإذا نظمتم
أموركم وهذبتم أنفسكم وضبطتم كل أوضاعكم
فلن يطمع الآخرون بكم، ولن يعد بمقدورهم
النفوذ إلى حوزاتنا العلمية ومؤسساتنا
العلمائية.
هذبوا
أنفسكم، وتجهزوا واستعدوا للحيلولة دون
وقوع المفاسد التي يمكن أن تعترضكم. حصنوا
الحوزات العلمية واجعلوها قادرة على
التصدي للمشاكل التي ستواجهها.. إن أياماً
سوداء بانتظاركم، ويبدو أن أياماً عجافاً
ستواجهكم.. إن عملاء الاستعمار يتطلعون
للقضاء على الإسلام ومحو كل أثر له. ولابد
لكم من الوقوف في وجه ذلك وقفة شجاعة. ولن
يتسنى لكم ذلك مع وجود حب النفس والجاه
والغرور والتكبر.
إن
عالم السوء.. العالم الغارق في حب الدنيا..
العالم الذي لا يفكر بغير البقاء في مركزه
والحفاظ على زعامته؛ إن مثل هذا العالم لا
يستطيع مجاهدة أعداء الإسلام، وإن ضرره
أكثر من غيره.. فلتكن خطواتكم ربانية..
أخرجوا حب الدنيا من قلوبكم، وآنذاك
يمكنكم أن تجاهدوا.. فليحاول كل واحد منكم
أن يلقن نفسه من الآن بأنه يتطلع لأن يكون
جندياً يضحي من أجل الإسلام.. يتطلع
للتضحية من أجل الإسلام.. لا تتشبثوا
بالذرائع وتخلقوا لأنفسكم الأعذار بأن
المرحلة لا تقتضي ذلك.. جدوا واجتهدوا
لتكونوا في المستقبل نافعين للإسلام،
وباختصار أن يكون كل واحد منكم إنساناً.
إن
عملاء الاستعمار يخشون الإنسان..
المستعمرون الذين لا يفكرون بغير نهب
ثرواتنا، ولا يسمحون أن يتربى في جامعاتنا
"إنسان"، لأنهم يخشون الإنسان. فإذا
ما وجد إنسان في دولة ما فإنه سوف يهدد
مصالحهم.
إنكم
تتحملون مسؤولية بناء أنفسكم ليصبح كل
واحد منكم إنساناً سوياً ومتكاملاً، يقف
في وجه مخططات أعداء الإسلام المشؤومة.
فإذا لم تنظموا أنفسكم وتعدوا العدة
للتصدي للضربات التي تكال كل يوم للإسلام،
فسوف تقضون على أنفسكم وكذلك على أحكام
الإسلام، وستكونون مسؤولين عن ذلك كله.
أنتم
أيها العلماء.. وأنتم أيها الطلاب.. يا طلبة
العلوم الدينية.. ويا أيها المسلمون، كلكم
مسؤولون.. مسؤوليتكم أيها العلماء وطلبة
العلوم الدينية تأتي في الدرجة الأولى، ثم
مسؤولية بقية المسلمين. "كلكم راع وكلكم
مسؤول عن رعيته".
أنتم
أيها الشباب، ينبغي لكم أن تقووا من
إرادتكم لكي يتسنى لكم مجابهة كل أنواع
الظلم والاستبداد، ولا سبيل غير ذلك.. إن
كرامتكم وكيان الإسلام وكرامة الدول
الإسلامية منوطة بمدى استعدادكم للتضحية
والبذل والعطاء.
نسأل
الله تعالى أن يحفظ الإسلام والمسلمين
والدول الإسلامية من شر الأعداء، وأن يحمي
الإسلام والحوزات العلمية الإسلامية من
المستعمرين والخونة، وأن يوفق علماء
الإسلام والمراجع العظام للدفاع عن أحكام
الشريعة المقدسة ونشر تعاليم القرآن
المجيد، وأن يوفق العلماء وطلاب العلوم
الدينية للتنبه للأخطار المحدقة بهم،
ووعي مسؤولياتهم الجسيمة في عصرنا الحاضر.
كما
نسأله تعالى أن يحفظ الحوزات العلمية
الإسلامية والمؤسسات العلمائية ويصونها
من أيدي ونفوذ أعداء الإسلام وعملاء
الاستعمار، وأن يوفق الجيل الشاب من طلبة
العلوم الدينية والجامعيين وعامة
المسلمين لبناء أنفسهم وتهذيبها وتزكيتها.
كذلك يوفق الأمة الإسلامية للتحرر من نوم
الغفلة واجتناب الخمول والتحجر والكسل،
لكي تعود إلى ذاتها من خلال استلهام
تعاليم القرآن النورانية والثورية،
وينهضوا ويقطعوا أيادي الاستعمار وأعداء
الإسلام الألداء عن البلدان الإسلامية
بوحي من الاتحاد والوحدة، ويحققوا الحرية
والاستقلال والمجد والعظمة الضائعة.
{ربنا
أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا
على القوم الكافرين}.
ربنا
وتقبل دعاء.
أقوال مختارة
*
كل الصفات الإنسانية الحميدة تمكن في
الانقطاع الكامل إلى الله.
*
إن الدنيا وما فيها بكل بهارجها وزخارفها،
لا تساوي ذرة من المقام الذي أُعدّ لعباد
الله الصالحين.
*
إن هذه الدنيا بكل مظاهرها الساحرة، أحقر
من أن تستحق المحبة.
*
ما قيمة هذه الحياة الفانية ذات المظهر
الخادع، في مقابل العذاب الأبدي؟.
*
التوجه إلى غير الله تعالى يحجب الإنسان
يحجب ظلمانية وحجب نورانية.
*
الأمور الدنيوية بأجمعها إذا ما تسببت في
انشداد الإنسان إلى الدنيا وغفلته عن الله
تبارك وتعالى، فإنها تبعث على الحجب
الظلمانية.
*
كونوا حزب الله، وابتعدوا عن زخارف الحياة
الدنيا ومظاهرها الخادعة.
*
إن رجل الدين الذي يعتبر نفسه من أتباع
وشيعة علي بن أبي طالب (ع)، لا يمكن أن
ينخدع ببهارج الدنيا.
*
إن جذور كل الاختلافات التي تفتقد إلى
الهدف المحدد والمقدس، تعود إلى حب الدنيا.
*
لقد بعث أنبياء الله تعالى لبناء الإنسان
وتربيته، وإبعاده عن القبائح والخبائث
والمفاسد والرذائل الأخلاقية، وترغيبه
بالفضائل والآداب الحسنة.
*
إذا خطوتم من أجل الله، فإن الله تبارك
وتعالى مقلب القلوب يجعل القلوب تهفو
إليكم.
*
لا تعبأوا بأحد غير الخالق الصمد.
*
إن قلب الإنسان كالمرآة صاف ومضيء، ولكنه
يتكدر نتيجة تكالبه على الدنيا وكثرة
المعاصي.
*
كيف يتسنى الحضور في حضرة الحق تعالى
والدخول في ضيافة رب الأرباب، الذي هو "معدن
العظمة"، مع كل هذه التلوثات الروحية
والرذائل الأخلاقية والمعاصي القلبية
والظاهرية؟
*
اتقوا الله.. واخشوا عاقبة الأمور،
وأفيقوا من نوم الغفلة.
*
كونوا بعيدي النظر.. زنوا عواقب الأمور..
تذكروا العقبات الخطيرة التي ستواجهونها..
تذكروا عذاب القبر وعالم البرزخ والشدائد
والأهوال التي تعقبه.
*
إن نيران جهنم تتأجج بإيحاء من أعمال
الإنسان وأفعاله القبيحة.
*
إذا لم يفعل الإنسان ما يؤجج نار جهنم فإن
جهنم خامدة.. إن باطن هذه الدنيا جهنم، وإن
الإقبال على الدنيا إقبال على جهنم ولعب
بنارها.
*
ما يحصده الإنسان في العالم الآخر، هو
ثمرة زرعه في هذه الدنيا.
*
فكروا بعاقبة أموركم قبل أن تضيع الفرصة
من أيديكم.
*
أنتم أيها الشباب، تسيرون نحو الهرم
والشيخوخة، ونحن الشيوخ نسير نحو الموت.
*
إن كل نفس تتنفسونه، وكل خطوة تخطونها،
وكل لحظة تنصرم من أعمالكم؛ يزيد من صعوبة
إصلاحكم أنفسكم، وربما زاد من ظلمة القلب
والتباهي والغرور.
*
مادمتم تملكون عزيمة الشباب وإرادته،
باستطاعتكم أن تتخلصوا من أهواء النفس
ورغباتها الدنيوية وغرائزها الحيوانية.
*
إن قلب الشاب قلب رقيق وملكوتي ودوافع
الفساد لديه ضعيفة. ولكن كلما تقدم العمر
بالإنسان استحكمت في قلبه جذور المعصية
إلى أن يصبح استئصالها من القلب أمراً
مستحيلاً.
*
التوبة النصوح لا تتحقق بمجرد النطق بكلمة
أتوب إلى الله، بل من الضروري تحقق الندم
والعزم على ترك المعاصي.
*
توددوا إلى خلق الله وتعاملوا معهم
بالحسنى، وانظروا إليهم نظرة عطف ومحبة.
*
أحسنوا إلى عباد الله الصالحين.
*
إن الذي لا يسلم بقية المسلمين من يده
ولسانه ونظره، فهو في الحقيقة ليس بمسلم.
*
الإساءة إلى عبد الله هي إساءة إلى الله
تعالى.
*
الذي ينصاع لهوى النفس ويتبع الشيطان،
يكتسب صبغته بالتدريج.
*
أهل الآخرة يعيشون في سلام ومحبة، وقلوبهم
مفعمة بحب الله وعباده.
*
محبة عباد الله هي ظل محبة الله.
*
القرآن الكريم أمانة الله العظمى، وعلماء
الدين ورجاله هم الأمناء الربانيون.
*
وظائف العلماء خطيرة للغاية، ومسؤولية
العلماء أعظم من مسؤولية باقي الأفراد.
*
ورد في الحديث الشريف أن الروح عندما تكون
في النزع الأخير، لم يعد للعالم موضع
للتوبة.
*
إذا انحرف العالم فقد يحرف أمة ويجرها
للانحطاط.
*
إذا كان العالم مهذباً ومراعياً للأخلاق
والآداب الإسلامية، فسوف يعمل على تهذيب
المجتمع وهدايته.
*
العلم في النفس التي لم تهذب ليس أكثر من
حجاب ظلماني.
*
العلم نور، إلا أنه في الفؤاد المظلم
والقلب الفاسد يزيد من دائرة الظلمة
والعتمة.
*
العلم الذي يقرب الإنسان إلى الله تعالى،
يمسي في النفس المتعلقة بالدنيا سبباً في
ابتعادها أكثر عن عرش ذي الجلالة.
*
علم التوحيد أيضاً إذا كان لغير الله
تعالى يمسي حجاب ظلماني.
*
إذا لم يخرج الإنسان الخبائث من باطنه،
فمهما درس وتعلم لن يجديه نفعاً، بل يلحق
به أضراراً.
*
العالم الفاسد يقود العالم إلى الفساد.
*
(مخاطباً طلبة العلوم الدينية): إذا لم
تدرسوا ـ لا سمح الله ـ فإنه يحرم عليكم
الإقامة في المدارس الدينية.
*
في كل خطوة تخطونها على طريق كسب العلم،
اخطوا خطوة أخرى أيضاً على طريق كبح جماع
الأهواء النفسية، وتقوية القوى المعنوية،
وكسب مكارم الأخلاق، وتحصيل المعنويات
والتقوى.
*
إذا لم يكن الإخلاص وقصد القربى، فلا جدوى
من هذه العلوم.
*
اسعوا لإصلاح أنفسكم وتهذيبها قبل أن
تنزلوا إلى المجتمع.
*
عندما تغادرون مركز الفقه ـ الحوزة ـ
ينتظر منكم أن تكونوا قد هذبتم أنفسكم
وزكيتموها لكي يتسنى لكم تربية الناس
وإصلاحهم.
*
إذا انحرف شخص وارتد عن الإسلام بسبب
أعمالكم وأفعالكم وسلوككم غير السليم،
فإنكم ترتكبون بذلك أعظم الكبائر.
*
لا قدر الله أن يحتفي المجتمع بإنسان قبل
أن يهذب نفسه، وأن يجد له نفوذاً ومكانة في
أوساط الناس، فإنه سوف يخسر نفسه.
*
هذبوا أنفسكم واعملوا على إصلاحها قبل أن
يسلب زمام الاختيار من أيديكم.
*
تحلوا بالأخلاق الحسنة، وابتعدوا عن
الرذائل الأخلاقية، وليكن رائدكم الإخلاص
في الدراسة والبحث ليقربكم إلى الله تعالى.
*
إذا لم تتوافر النية الصادقة في الأعمال،
فسوف يبتعد الإنسان عن عرش الربوبية.
*
احرصوا على إشاعة النظم والانضباط في
الحوزات العلمية.
*
أيادي الاستعمار تتطلع للقضاء على كيان
الإسلام، وينبغي لكم مواجهة مخططاتهم.
*
مع وجود حب النفس والجاه والكبر والغرور،
لا يمكن المقاومة.
*
ليس باستطاعة عالم السوء، العالم المشدود
إلى الدنيا، العالم الذي لا يفكر بغير
الحفاظ على المنصب والرئاسة؛ أن يجاهد ضد
أعداء الإسلام.
*
اخطوا خطوة إلهية، وأخرجوا حب الدنيا من
القلب، عندها يتسنى لكم النضال.